نور الأئمة عليهم السلام
اهلا ومرحبا بالمؤمنين والمؤمنات في هذا الصرح الأسلامي والأيماني موقع نور الأئمة عليهم السلام


نور الأئمة عليهم السلام رمز ايماني يمثل الثورة البطولة الشهادة والتضحية من اجل الحق ومجابهة الظلم والظالمين
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
رحم الله من قراء سورة الفاتحةالمباركه لاأرواح المؤمنين والمؤمنات تسبقها الصلاة على محمد وآل محمد آللَّهُمَّے صَلِّے عَلَى مُحَمـَّدٍ وآلِے مُحَمـَّدٍ بسْمِ اڶڶّہ اڶرَّحْمَنِ اڶرَّحِيمِ ۞ اڶْحَمْدُ ڶڶّہِ رَبِّ اڶْعَالَمِينَ ۞ اڶرَّحْمنِ اڶرَّحِيمِ ۞ مَاڶِڪِ يَۈْمِ اڶدِّينِ ۞ ِإِيَّاڪَ نَعْبُدُ ۈإِيَّاڪَ نَڛْٺَعِينُ ۞ إهدِنَا اڶصِّرَاطَ اڶمُڛٺَقِيمَ ۞ صِرَاطَ اڶَّذِينَ أَنعَمٺَ عَڶَيهِمْ غيرِالمَغضُوبِ عَڶَيهِمْ ۈَڶاَ اڶضَّاڶِّين ۞
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» أقوال الامام الحسين عليه السلام
الجمعة نوفمبر 10, 2017 2:06 am من طرف نور الأئمة

» قصة استشهاد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام
الخميس مارس 02, 2017 11:01 am من طرف نور الأئمة

» استفتاءات
الإثنين فبراير 13, 2017 7:02 pm من طرف نور الأئمة

» حقيقة الروح الإنسانية مقال مستل من كتاب الفقه/العقائد للإمام الشيرازي الراحل أعلى الله درجاته
الإثنين فبراير 13, 2017 6:10 pm من طرف نور الأئمة

» الإمام الصادق عليه السلام ودوره في الإصلاح العام
الإثنين فبراير 13, 2017 11:56 am من طرف نور الأئمة

» شهادة السيدة الزهراء عليها السلام: مظلومية ومواقف وجهاد
الإثنين فبراير 13, 2017 11:17 am من طرف نور الأئمة

»  اروع ما قاله الامام الحسين علية السلام
الأربعاء أكتوبر 12, 2016 1:04 am من طرف نور الأئمة

» دعاء وخطبتي الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء
الأربعاء أكتوبر 12, 2016 12:13 am من طرف نور الأئمة

» الليلة المباركة .. ولادة الإمام الحجة عليه السلام
الإثنين مايو 23, 2016 11:28 am من طرف نور الأئمة

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث

شاطر | 
 

 حياة العبّاس بن علي علیه السلام - الجزء الخامس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نور الأئمة
المدير العام للمنتدى
avatar

عدد المساهمات : 218
تاريخ التسجيل : 15/10/2010

28052015
مُساهمةحياة العبّاس بن علي علیه السلام - الجزء الخامس

الزواج
تزوّج أمير المؤمنين (عليه السلام) من فاطمة ابنة حزام العامرية، إمّا بعد وفاة الصديقة سيّدة النساء كما يراه بعض المؤرّخين(203)، أو بعد أن تزوّج بأُمامة بنت زينب بنت رسول اللّه كما يراه البعض الآخر(204). وهذا بعد وفاة الزهراء (عليها السلام) ; لأنّ اللّه قد حرّم النساء على علي ما دامت فاطمة موجودة(205).
فولدت أربعة بنين وأنجبت بهم: العبّاس، وعبد اللّه، وجعفر، وعثمان، وعاشت بعده مدّة طويلة ولم تتزوّج من غيره، كما أنّ أُمامة وأسماء بنت عميس وليلى النهشلية لم يخرجن إلى أحد بعده. وهذه الحرائر الأربع توفى عنهنّ سيد الوصيين(206).
وقد خطب المغيرة بن نوفل أُمامة، ثُمّ خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت، وروت حديثاً عن علي (عليه السلام): إنّ أزواج النّبي والوصيّ لا يتزوّجن بعده، فلم يتزوجن الحرائر وأُمهات الأولاد عملاً بالرواية(207).
وكانت أُمّ البنين من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت (عليهم السلام)، مخلصة في ولائهم، ممحّضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تزورها أيام العيد.
وبلغ من عظمها ومعرفتها وتبصّرها بمقام أهل البيت (عليهم السلام)، أنّها لمّا أُدخلت على أمير المؤمنين ـ وكان الحسنان مريضين ـ أخذت تُلاطف القول معهما، وتُلقي إليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تُحسن السيرة معهما وتخضع لهما كالأُم الحنون.
ولا بدع في ذلك فإنّها ضجيعة شخص الإيمان، قد استضاءت بأنواره، وربّت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدّبت بآدابه، وتخلّقت بأخلاقه.

الولادة
لقد أشرق الكون بمولد قمر بني هاشم يوم بزوغ نوره من أُفق المجد العلوي، مرتضعاً ثدي البسالة، متربيّاً في حجر الخلافة، وقد ضربت فيه الإمامة بعرق نابض، فترعرع ومزيج روحه الشهامة والإباء والنزوع عن الدنايا، وما شوهد مشتداً بشبيبته الغضة إلاّ وملء اهابه إيمان ثابت، وحشو ردائه حلم راجح، ولبّ ناضج، وعلم ناجع.
فلم يزل يقتصّ أثر السبط الشهيد (عليه السلام) الذي خلق لأجله، وكوّن لأن يكون ردءاً له، في صفات الفضل، ومخائل الرفعة، وملامح الشجاعة، والسؤدد والخطر. فإن خطى سلام اللّه عليه فإلى الشرف، وإن قال فعن الهُدى والرشاد، وإن رمق فإلى الحقّ، وإن مال فعن الباطل، وإن ترفّع فعن الضيم، وإن تهالك فدون الدين.
فكان أبو الفضل جامع الفضل والمثل الأعلى للعبقرية ; لأنّه كان يستفيد بلج هاتيك المآثر من شمس فلك الإمامة (حسين العلم والبأس والصلاح)، فكان هو وأخوه الشهيد (عليه السلام) من مصاديق قوله تعالى في التأويل: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا }(208)، فلم يسبقه بقول استفاده منه، ولا بعمل أتبعه فيه، ولا بنفسية هي ظلّ نفسيته، ولا بمنقبة هي شعاع نوره الأقدس، المنطبع في مرآة غرائزه الصقيلة.
وقد تابع إمامه في كُلّ أطواره حتّى في بروز هيكله القدسي إلى عالم الوجود، فكان مولد الإمام السبط في ثالث شعبان، وظهور أبي الفضل العبّاس إلى عالم الشهود في الرابع منه(209) سنة ست وعشرين من الهجرة(210).
وممّا لا شكّ فيه أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا أحضر أمامه ولده المحبوب ليقيم عليه مراسيم السنّة النبويّة التي تقام عند الولادة، ونظر إلى هذا الولد الجديد، الذي كان يتحرّى البناء على أُمه أن تكون من أشجع بيوتات العرب ; ليكون ولدها ردءاً لأخيه السبط الشهيد يوم تحيط به عصب الضلال، شاهد بواسع علم الإمامة ما يجري عليه من الفادح الجلل، فكان بطبع الحال يطبق على كُلّ عضو يشاهده مصيبة سوف تجري عليه، يقلّب كفيه اللذين سيقطعان في نصرة حجّة وقته، فتهمل عيونه.
ويبصر صدره عيبة العلم واليقين فيشاهده منبتاً لسهام الأعداء، فتتصاعد زفرته، وينظر إلى رأسه المطهّر فلا يعزب عنه أنّه سوف يقرع بعمد الحديد، فتثور عاطفته، وترتفع عقيرته، كما لا يبارح فاكرته حينما يراه يسقي أخاه الماء ما يكون غداً من تفانيه في سقاية كريمات النبوّة، ويحمل إليهنّ الماء على عطشه المرمض، وينفض الماء حيث يذكر عطش أخيه، تهالكاً في المواساة، ومبالغة في المفادات، وإخلاصاً في الأُخوة، فيتنفس الصعداء، ويكثر من قول: " مالي وليزيد "(211)، وعلى هذا فقس كُلّ كارثة يقدر سوف تلمّ به وتجري عليه.
فكان هذا الولد العزيز على أبويه وحامته كُلّما سرّ أبوه اعتدال خلقته، أو ملامح الخير فيه، أو سمة البسالة عليه، أو شارة السعادة منه ; ساءه ما يشاهده هنالك من مصائب يتحمّلها، أو فادح ينوء به، من جرح دام، وعطش مجهد، وبلاء مكرب.
وهذه قضايا طبيعيّة تشتدّ عليها الحالة في مثل هاتيك الموارد، ممّن يحمل أقلّ شيء من الرقّة على أقلّ إنسان، فكيف بأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو أعطف الناس على البشر عامّة من الأب الرؤوف، وأرقّ عليهم من الأُم الحنون.
إذن فكيف به في مثل هذا الإنسان الكامل (أبي الفضل) الذي لا يقف أحد على مدى فضله، كما ينحسر البيان عن تحديد مظلوميته واضطهاده.
وذكر صاحب كتاب " قمر بني هاشم " ص21 أنّ أُمّ البنين رأت أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض الأيام أجلس أبا الفضل (عليه السلام) على فخذه، وشمّر عن ساعديه، وقبلهما وبكى، فأدهشها الحال ; لأنّها لم تكن تعهد صبيّاً بتلك الشمائل العلوية ينظر إليه أبوه ويبكي، من دون سبب ظاهر، ولمّا أوقفها أمير المؤمنين (عليه السلام) على غامض القضاء، وما يجري على يديه من القطع في نصرة الحسين (عليه السلام) ; بكت وأعولت وشاركها مَن في الدار في الزفرة والحسرة، غير أنّ سيّد الأوصياء بشّرها بمكانة ولدها العزيز عند اللّه جلّ شأنه، وما حباه عن يديه بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل ذلك لجعفر بن أبي طالب، فقامت تحمل بشرى الأبد، والسعادة الخالدة.


صفاته
لقد كان من عطف المولى سبحانه وتعالى على وليّه المقدّس، سلالة الخلافة الكبرى، سيّد الأوصياء، أن جمع فيه صفات الجلالة من بأس وشجاعة وإباء ونجدة، وخلال الجمال من سؤدد وكرم ودماثة في الخلق، وعطف على الضعيف، كُلّ ذلك من البهجة في المنظر ووضاءة في المحيا من ثغر باسم ووجه طلق تتموّج عليه أمواه الحسن، ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أسرة جبهته أنوار الإيمان، كما كانت تعبق من أعراقه فوائح المجد، متأرّجة من طيب العنصر.
ولمّا تطابق فيه الجمالان الصوري والمعنوي قيل له: " قمر بني هاشم "(212)، حيث كان يشوء بجماله كُلّ جميل، وينذ بطلاوة منظره كُلّ أحد، حتّى كأنّه الفذّ في عالم البهاء، والوحيد في دنياه، كالقمر الفائق بنوره أشعة النجوم، وهذا هو حديث الرواة:
" كان العبّاس رجلاً وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهّم ورجلاه تخطان في الأرض، وكان يقال له: قمر بني هاشم "(213).
وقد وصفته الرواية المحكية في مقاتل الطالبيين بان " بين عينيه أثر السجود "، ونصّها:
" قال المدائني: حدّثني أبو غسّان هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال: رأيت رجلاً من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلاً شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك؟ قال: إنّي قتلت شاباً أمرد مع الحسين، بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنم، فيدفعني فيها، فأصيح فما يبقى في الحي إلاّ سمع صياحي. قال: والمقتول هو العبّاس بن علي (عليه السلام) "(214).
وروى سبط ابن الجوزي عن هشام بن محمّد، عن القاسم بن الأصبغ المجاشعي قال: " لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة، وإذا بفارس أحسن الناس وجهاً قد علق في لبب فرسه رأس غلام أمرد، كأنّه القمر ليلة تمّه، والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض، فقلت: رأس من هذا؟ قال: رأس العبّاس بن علي، قلت: ومن أنت؟ قال: حرملة بن الكاهل الأسدي(215).
قال: فلبثت أياماً وإذا بحرملة وجهه أشدّ سواداً من القار، فقلت: رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنظر وجهاً منك، وما أرى اليوم أقبح ولا أسود وجهاً منك؟ فبكى وقال: واللّه منذ حملت الرأس وإلى اليوم ما تمرّ عليَّ ليلة إلاّ واثنان يأخذان بضبعي، ثُمّ ينتهيان بي إلى نار تؤجّج، فيدفعاني فيها وأنا أنكص، فتسفعني كما ترى، ثُمّ مات على أقبح حال "(216).
ويمنع الإذعان بما في الروايتين من تعريف المقتول بأنّه العبّاس بن علي (عليه السلام)، عدم الالتئام مع كونه شاباً أمرد، فإنّ للعباس يوم قتله أربعاً وثلاثين سنة، والعادة قاضيّة بعدم كون مثله أمرد، ولم ينصّ التاريخ على كونه كقيس بن سعد ابن عبادة لا طاقة شعر في وجهه.
وفي دار السلام للعلاّمة النوري ج1 ص114 والكبريت الأحمر ج3 ص52 ما يشهد للاستبعاد، واصلاحه كما في كتاب " قمر بني هاشم " ص126 بأنّه رأس العبّاس الأصغر بلا قرينة، مع الشكّ في حضوره الطفّ وشهادته، وهذا كاصلاحه بتقدير المقتول: " أخ العبّاس " المنطبق على عثمان الذي له يوم قتله إحدى وعشرين سنة، أو محمّد بن العبّاس المستشهد على رواية ابن شهرآشوب، فإنّ كُلّ ذلك من الاجتهاد البحت.
ولعلّ النظرة الصادقة فيما رواه الصدوق منضماً إلى رواية ابن جرير الطبري تساعد على كون المقتول حبيب بن مظاهر.
قال الصدوق: " وبهذا الاسناد عن عمرو بن سعيد، عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال: قدم علينا رجل من بني أبان بن دارم ممّن شهد قتل الحسين، وكان رجلاً جميلاً شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك لتغير لونك؟ قال: قتلت رجلاً من أصحاب الحسين، يبصر بين عينيه أثر السجود وجئت برأسه.
فقال القاسم: لقد رأيته على فرس له مرحاً، وقد علّق الرأس بلبانها، وهو يصيبه بركبتيه، قال: فقلت لأبي: لو أنّه رفع الرأس قليلاً، أما ترى ما تصنع به الفرس بيديها؟ فقال: يا بني ما يصنع به أشد، لقد حدّثني قال: ما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني في منامي 
حتّى يأخذ بكتفي فيقودني ويقول: انطلق، فينطلق بي إلى جهنم، فيقذف بي، فأصيح، قال: فسمعت جارة له قالت: ما يدعنا ننام شيئاً من الليل من صياحه، قال: فقمت في شباب من الحي فأتينا امرأته فسألناها فقالت: قد أبدى على نفسه قد صدقكم "(217).
وقد اتفقت هذه الروايات الثلاث في الحكاية عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة بما فعل بالرأس الطاهر.
وتفيدنا رواية الصدوق أنّ المقتول رجل لا شاب، وأنّه من أصحاب الحسين (عليه السلام)، ولا إشكال فيها، وإذا وافقنا ابن جرير على أنّ الرأس المعلّق هو رأس حبيب بن مظاهر ـ في حين أنّ المؤرّخين لم يذكروا هذه الفعلة بغيره من الرؤوس الطاهرة ـ أمكننا أن ننسب الاشتباه إلى الروايتين السابقتين، خصوصاً بعد ملاحظة ذلك الاستبعاد بالنسبة إلى العبّاس، وتوقّف التصحيح فيهما على الاجتهاد بلا قرينة واضحة.
قال ابن جرير في ج6 ص252 من التاريخ: " وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه رجل من بني تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله، وكان يقال له: بديل بن صريم من بني عقفان، وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه، فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه، فقال له الحصين: إنّي لشريكك في قتله! فقال الآخر: واللّه ما قتله غيري! فقال الحصين: أعطنيه أُعقله في عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أني شركت في قتله، ثُمّ خذه أنت بعد فامض به إلى 
عبيد اللّه بن زياد، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتلك إياه، فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فرفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، قد علّقه في عنق فرسه، ثُمّ دفعه بعد ذلك إليه، فلمّا رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيباً فعلّقه في لبان فرسه، ثُمّ أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب، وهو يومئذ قد راهق، فأقبل مع الفارس، لا يفارقه كُلمّا دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بني تتبعني؟ قال: لا شيء! قال: بلى يا بني أخبرني؟
قال له: إنّ هذا الرأس الذي معك رأس أبي أفتعطينيه حتّى أدفنه؟
قال: يا بني لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً!
قال له الغلام: لكن اللّه لا يثيبك على ذلك إلاّ أسوأ الثواب، أما واللّه لقد قتلته خيراً منك وبكى.
فمكث الغلام حتّى إذا أدرك لم يكن له همة إلاّ اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرة فيقتله بأبيه، فلمّا كان زمان مصعب بن الزبير، وغزا مصعب باجمير ادخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرته، فدخل عليه وهو قائل نصف النهار فضربه بسيفه حتّى برد... "(218).
نعم، في رواية الصدوق أنّ القاسم يسأل أباه عمّا يفعله الفرس بالرأس فيقول: " قلت لأبي: لو أنّه رفع الرأس.. إلى آخره ".
وهو يدلّ على حياة الأصبغ ذلك اليوم، وعليه فلم يعرف الوجه في تأخّره عن حضور المشهد الكريم، مع مقامه العالي في التشيّع، وإخلاصه في الموالاة لأمير المؤمنين وولده المعصومين (عليهم السلام)، ومشاهدته هذا الفعل من الطاغي يدلّ على عدم حبسه عند ابن زياد كباقي الشيعة الخلّص، ولا مخرج عنه إلاّ بالوفاة قبل تلك الفاجعة العظمى كما هو الظاهر ممّا ذكره أصحابنا عند ترجمته، من الثناء عليه، والمبالغة في مدحه، وعدم الغمز فيه.
فتلك الجملة: " قلت لأبي "، لا يعرف من أين جاءت. ولا غرابة في زيادتها بعد طعن أهل السنّة فيه كما في اللألئ المصنوعة ج1 ص213، فإنّه بعد أن ذكر حديث الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري " أنّهم أُمروا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي "، قال: " لا يصحّ الحديث، لأنّ الأصبغ متروك، لا يساوي فلساً "(219).
وفيه ص195 ذكر عن ابن عباس حديث الركبان يوم القيامة رسول اللّه وصالح وحمزة وعلي قال: " رجال الحديث بين مجهول وبين معروف بعدم الثقة "(220).
ولقد طعنوا في أمثاله من خواصّ الشيعة بكُلّ ما يتسنّى لهم، وما ذكر في تراجمهم يشهد لهذه الدعوى، ولا يتحمّل هذا المختصر التبسط في ذكرها، ومراجعة ما كتبه السيّد العلاّمة محمّد بن أبي عقيل في " العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل " ص40 في الباب الثاني فيه كفاية، فإنّه ذكر جملة من أتباع أهل البيت طعنوا فيهم بلا سبب إلاّ لموالاة أمير المؤمنين وولده (عليهم السلام).

كنيته
اشتهر أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) بكُنى وألقاب، وُصف ببعضها في يوم الطفّ، والبعض الآخر كان ثابتاً له من قبل، فمن كناه: أبو قربة(212) ; لحمله الماء في مشهد الطفّ غير مرّة، وقد سدّت الشرائع، ومنع الورود على ابن المصطفى وعياله، وتناصرت على ذلك أجلاف الكوفة، وأخذوا الاحتياط اللازم، ولكن أبا الفضل لم يرعه جمعهم المتكاثف، ولا أوقفه عن الإقدام تلك الرماح المشرعة، ولا السيوف المجرّدة، فجاء بالماء وسقى عيال أخيه وصحبه.
ولم ينصّ المؤرّخون وأهل النسب على كنيته بأبي القاسم ; إذ لم يذكر أحد أنّ له ولداً اسمه القاسم.
نعم، خاطبه جابر الأنصاري في زيارة الأربعين بها قال: " السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا عباس بن علي "(222)، وبما أنّ هذا الصحابي الكبير المتربّي في بيت النبوّة والإمامة خبير بالسبب الموجب لهذا الخطاب، فهو أدرى بما يقول.
وقد اشتهر بكنيته الثالثة " أبي الفضل " من جهة أنّ له ولداً اسمه الفضل(223)، وكان حرياً بها فإنّ فضله لا يخفى، ونوره لا يطفى. ومن فضائله الجسام نعرف أنّه ممّن حبس الفضل عليه، ووقف لديه، فهو رضيع لبانه، وركن من أركانه، وإليه يشير شارح ميمية أبي فراس:
بذلتَ أيا عباس نفساً نفيسة لنصرِ حُسين عزّ بالنصر من مثلِ
أبيتَ التذاذ الماء قبل التذاذهِ فحسن فعال المرء فرع عن الأصلِ
فأنتَ أخو السبطين في يوم مفخر وفي يوم بذل الماء أنت أبو الفضلِ(224)

اللقب
اشتهر بين العامّة والخاصّة بأنّه سلام اللّه عليه باب الحوائج ; لكثرة ما صدر منه من الكرامات وقضاء الحاجات ومن هنا قيل فيه(225):
للشوس عباس يريهم وجهَهُ والوفد يَنظِرُ باسِماً محتاجَها
باب الحوائجِ مَا دَعتهُ مروعةً في حاجة إلاّ ويُقضِي حَاجَها
بأبِي أبيِ الفضلِ الذِي مِنْ فَضلهِ السامِي تَعلّمتِ الوَرى منهاجَها
وقيل له: " قمر بني هاشم "(226) ; لوضاءته وجمال هيئته وإنّ اسرة وجهه تبرق كالبدر المنير، فكان لا يحتاج في الليلة الظلماء إلى ضياء.
وأمّا " الشهيد " فلم ينصّ عليه أحد إلاّ أنّه الظاهر من عبارات أهل النسب، ففي المجدي لأبي الحسن العمري قال ـ بعد ذكر أولاده ـ: " هذا آخر نسب بني العبّاس الشهيد السقا ابن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) "(227).
وفي سرّ السلسلة لأبي نصر البخاري: " والشهيد أبو الفضل العبّاس بن علي أُمه أُمّ البنين "(228).
ثُمّ روى عن معاوية بن عمّار الزيدي قال: " قلت للصادق (عليه السلام): كيف قسمتم نحلة فدك بعد ما رجعت عليكم؟ قال: " أعطينا ولد عبيد اللّه بن العبّاس الشهيد الربع والباقي لولد فاطمة، فأصاب بني العبّاس بن علي أربعة أسهم، الحصة أربعة نفر، ورثوا علياً (عليه السلام) "(229).
وكان الحريّ بأرباب المقاتل والنسب أن يدوّنوا له هذا اللقب المعرب عن أسمى منزلة له، وهو " العبد الصالح " كما خاطبه الإمام الصادق في الزيارة المخصوصة به التي رواها أبو حمزة الثمالي حيث يقول: " السلام عليك أيّها العبد الصالح "(230).
فإنّك جدّ عليم بأنّ هذه الصفة أرقى مراتب الإنسان الكامل ; لأنّها حلقة الوصل بين المولّى والعبد، وأفضل حالات أيّ فاضل، حيث يجد نفسه الطرف الرابط لموجد كيانه جلّ وعلا، وإن من أكمل مراتب الوجود فيما إذا التأم المنتهى مع المبدأ بنحو الصلة، وهذا لا يكون إلاّ إذا بلغ العبد أرقى مراتب الإنسانية التي تلحقه بعالم البساطة، وتنتهي به إلى صقع التجرّد، فتؤهّله لأن يتصل 
بالمبدأ الأعلى، فلو فقد الإنسان تلك الملاءمة دحره عن حضيرة القدّاسة انقطاع النسبة، وبعد المرمى، وشسوع المسافة.
ولا نعني بهذه المرتبة أن يكون العبد مواظباً على العبادات البسيطة المسقطة للخطاب والرافعة للتعزير فحسب، وإنّما نقصد منه ما إذا عبد اللّه سبحانه حقّ عبادته، الناشئة عن فقه وبصيرة ومعرفة بالمعبود الذي يجب أن يعبد، من دون لحاظ مثوبة أو عقوبة، حتّى يكون المولى هو الذي يسمّيه عبداً له، ويصافقه على تصديق دعواه بالعبودية له.
وما أسعد العبد حيث يبصر ما بيده من سلك الطاعة، ويعرف أنّ مولاه قابض على طرفه الآخر، تزلفه إليه جاذبة الصلة، وأشعة القرب.
وعلى ما قلناه كانت هذه المرتبة عند الأنبياء (عليهم السلام) أرقى مراتبهم، وأرفع منصاتهم ; لأنّ طرف عبوديتهم أمنع وأشرف من طرف رسالتهم، فالطرف الأعلى في العبودية " مبدأ الحقّ سُبحانه وتعالى "، والطرف الأسفل منته إلى شخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا النبوة فمبدؤها الرسول ومنتهاها الأُمة(231).
ولولا أنّ هذه الصفة أسمى الصفات التي يتصف بها العبد لما خصّ اللّه تعالى أنبياءه، بها فقال سبحانه: { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَة مِّن مِّثْلِهِ }(232).
وقال تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى }(233).
وقال عزّ شأنه: { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ }(234).
وقال جلّ وعلا: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ }(235).
وقال تعالت أسماؤه: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }(236).
وقال عزّ سبحانه: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ }(237).
وقال عظم ذكره: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْب وَعَذَاب }(238).
وقد كان في وسع المولى تعالت أسماؤه أنّ يقول في خطاب نبيّه الكريم: " وإن كُنتم في ريب ممّا نزلنا على رسولنا.. " ونحوه ممّا يدل على النبوّة والرسالة، ولكن حيث كان حبيب اللّه وصفيّه متجرّداً عمّا يحجبه عن مشاهدة المهيمن سبحانه، فانياً في سبيل خدمة المولّى، لا يرى في الوجود غير منشئ الأكوان ; استحقّ أن يهبه البارئ تعالى أرقى صفة تليق بهذا المقام.
ومن هنا نرى الرسول المسيح قدّم عبوديته على رسالته فقال: { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً }(239).
وأنت لا تفتأ في جميع الفرائض والنوافل في اليوم والليل تشهد بأنّ محمّداً عبده ورسوله، ولم تقل: خاتم الأنبياء، أو علّة الكائنات، أو سرّ الموجدات، أو حبيب اللّه وصفيّه، مع أنّها صفات لا تليق إلاّ بذات اشتقت من نور القدّس، ولكنّك عرفت أن أسمى هذه الصفات وأجلّ ما يليق بالعبد حال اتصاله بالمبدأ الأعلى هو وصفه بالعبودية لمولاه.
ومن هنا ظهر لنا أنّ من أجلى الحقائق وأرقى مراتب الفضلّ الّذي لا يُحلّق إليهِ طائر الفكر، ولا يدرك مداه أي تصوّر، غير أنّ من الواجب التصديق به على الجملة، هو وصف سيّدنا العبّاس (عليه السلام)بهذه الصفة الكاملة " العبد الصالح " التي أضافها اللّه تعالى إلى أنبيائه، ومبلّغي شريعته، وأمنائه على وحيه، ومنحه بها الإمام الصادق (عليه السلام).

السقا
الماء حياة العالم، وليست حاجة أي جزء من أجزائه أمسّ من الآخر، فلا جزء ولا جزيء في الكون إلاّ وهو خاضع له، في وجوده، وفي نشوئه وبقائه، وقد أعرب عنه سبحانه بقوله: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيء حَيّ }(240).
وإليه استند ابن عباس في حلّ لغز ملك الروم، فإنّه وجّه إلى معاوية قارورة يطلب منه أن يضع فيها من كُلّ شيء، فتحيّر معاوية واستعان بابن عباس في كشف الرمز، لعلمه بأنّه يستقي من بحر أمير المؤمنين (عليه السلام) المتموّج بالحكم والأسرار، فقال ابن عباس: " لتملأ له ماء، فإنّ اللّه يقول { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيء حَيّ }، فأدهش ملك الروم وتعجّب وقال: للّه أبوه ما أدهاه "(241).
فلا يخالج اليقين بأهمّيته الكبرى في دور الحياة أي شكّ.
وإن من يكون معروفه الذي تندى به أنامله، وتسوقه إليه جبلته، هذه المادة الحيوية، لعلى جانب ممنع من الفضل، وقد عرقت فيه شائج الرقة، وتحلّى بغريزة العطف، ونبض فيه عرق الحنان، ولا يكون إسداء مثله إلاّ عن لين ورأفة على الوجود، وإن تفاوتت المراتب بالنسبة إلى الموجدات الشريفة وما دونها، ولا 
يعدو الشرف والشهامة هذا المتفضّل بسرّ الحياة، فهو شريف يحب الإبقاء على مثله، أو عطوف لا يجد على الاغاثة منه، ولا على قدرته في الإعانة لسائر الموجودات جهداً ولا عطباً.
وإذا كانت الشريعة المطهّرة حثّت على السقاية ذلك الحثّ المتأكد، فإنّما تلت على الناس أسطراً نوريّة، ممّا جبلوا عليه، وعرفت الأُمة بأنّ الدين يطابق تلك النفسيات البشرية والغرائز الطبيعية، وأرشدتهم إلى ما يكون من الثواب المترتّب على سقي الماء في الدار الآخرة، ليكونوا على يقين من أنّ عملهم هذا موافق لرضوان اللّه وزلفى للمولّى سبحانه، يستتبع الأجر الجزيل، وليس هو طبيعي محضّ.
وهذا ما جاء عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، من فضل بذل الماء في محلّ الحاجة إليه وعدمها، كان المحتاج إليه حيواناً، أو بشراً، مؤمناً كان، أو كافراً.
ففي حديث النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أفضل الأعمال عند اللّه أبراد الكبد الحرى من بهيمة وغيرها(242)، ولو كان على الماء، فإنّه يوجب تناثر الذنوب كما تنتثر الورق من الشجر(243)، وأعطاه اللّه بكُلّ قطرة يبذلها قنطاراً في الجنّة، وسقاه من الرحيق المختوم، وإن كان في فلاة من الأرض ورد حياض القدّس مع النبيّين(244).
وسأله رجل عن عمل يقرّبه من الجنّة فقال: " اشتر سقاء جديداً ثُمّ اسق فيه حتّى تخرقه، فإنّك لا تخرقه حتّى تبلغ به عمل الجنّة "(245).
وقال الصادق (عليه السلام): " من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمن أعتق رقبة، ومن سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء كان كمن أحيى نفساً، ومن أحيى نفساً فكأنّما أحيى الناس أجمعين "(246).
وقد دلّت هذه الآثار على فائدة السقي بما هو حياة العالم ونظام الوجود، ومن هنا كان الناس فيه شرع سواء كالكلاء والنار، فلا يختصّ اللطف منه جلّ وعلا بطائفة دون طائفة.
وقد كشف الإمام الصادق (عليه السلام) السرّ في جواب من قال له: ما طعم الماء؟ فقال (عليه السلام): " طعم الحياة "(247).
فالسقاية أشرف شيء في الشريعة المطهّرة، تلك أهميتها عند الحقيقة، ومكانتها من النفوس، ولهذه الأهمية ضرب المثل " بكعب بن مامة الأيادي "(248).
وأضحت السقاية العامة لا ينوء بعبئها إلاّ من حلّ وسطاً من السؤدد والشرف وأعالي الأُمم لاساقتها، ولذا أذعنت قريش لقصي بسقاية الحاج، فكان يطرح الزبيب في الماء ويسقيهم الماء المُحلّى كما كان يسقيهم اللبن(249).
وكان ينقل الماء إلى مكة من آبار خارجها، ثُمّ حفر بئراً اسمها (العجول) في الموضع الذي كانت دار أُم هاني فيه، وهي أوّل سقاية حفرت بمكة، وكانت العرب إذا استقوا منها ارتجزوا:
نروي على العجول ثُمّ نَنطلق إنّ قصياً قد وفى وقد صدق(250)
ثُمّ حفر قصي بئراً سمّاها (سجلة) وقال فيها(251):
أنا قُصّي وحَفرتُ سِجلة تروي الحجيج زغلة فزغلة
وكان هاشم أيام الموسم يجعل حياضاً من آدم في موضع زمزم لسقاية الحاج ويحمل الماء إلى منى لسقايتهم، وهو يومئذ قليل(252).
ثُمّ إنّه حفر بئراً سمّاها (البندر)(253) وقال: " إنّها بلاغ للناس فلا يمنع منها أحداً "(254).
وأمّا عبد المطلب فقد قام بما كان آباؤه يفعلونه من سقاية الحاج، وزاد على ذلك أنّه لمّا حفر زمزم وكثر ماؤها أباحها للناس، فتركوا الآبار التي كانت خارج مكة، لمكانها من المسجد الحرام، وفضلها على من سواها لأنها بئر إسماعيل(255)، وبنى عليها 
حوضاً، فكان هو وابنه الحرث ينزعان الماء ويملأن الحوض، فحسدته قريش على ذلك، وعمدوا إلى الحوض بالليل فكسروه، فكان عبد المطلب يصلحه بالنهار وهم يكسرونه بالليل، فلمّا أكثروا عليه إفساده دعا عبد المطلب ربّه سبحانه وتعالى، فرأى في المنام قائلاً يقول: " قل لقريش إنّي لا أحلّها لمغتسل، وهي لشارب حلّ وبل "، فنادى في المسجد بما رأى، فلم يفسد أحد من قريش حوضه إلاّ رمي بداء بجسده حتّى تركوا حوضه وسقايته(256)، وفي ذلك يقول خويلد بن أسد(257):
أقولُ ومَا قَولِي عَليهمُ بسبّة إليكَ ابنُ سَلمّى أنتَ حَافِرُ زَمزَمُ
حَفيرةُ إبراهِيمَ يَومَ ابنِ هَاجَر وَركضَةَِ جِبريِل عَلى عَهد آدَمِ
ولمّا وافق قريشاً على المحاكمة عند كاهنة بني سعد بن هذيم، وكان بمشارف الشام، وسار عبد المطلب بمن معه من قومه، حيث إذا كانوا بمفازة لا ماء فيها ونفد ماؤهم استسقوا ممّن كان معهم من قريش، فأبوا أن يسقوهم، حفظاً على الماء، فأمر عبد المطلب أصحابه أن يحفروا قبوراً لهم ويدفن من يموت منهم عطشاً في حفرته ويبقى واحد، فضيعة واحد أيسر من ضيعة جماعة، وبعد أن فرغوا من الحفر قال عبد المطلب: " إنّ هذا منّا لعجز، لنضربنّ في الأرض عسى اللّه أن يرزقنا ماءً، فركب راحلته، 
فلمّا انبعث نبع من تحت خفها ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وشرب أصحابه وملؤوا أسقيتهم، ودعا قريشاً أن يستقوا من الماء، فأكثروا منه، ثُمّ قالوا: إنّ اللّه قد قضى لك علينا ولا نخاصمك في زمزم، إنّ الذي سقاك في هذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع راشداً.
وزاد عبد المطلب في سقاية الحاج بالماء أن طرح الزبيب فيه، وكان يحلب الإبل، فيضع اللبن مع العسل في حوض من ادم عند زمزم، لسقاية الحاج "(258).
ثُمّ قام أبو طالب مقامه بسقي الحاج(259)، وكان يجعل عند رأس كُلِّ جادة حوضاً فيه الماء ليستقي منه الحاج، وأكثر من حمل الماء أيام الموسم، ووفّره في المشاعر فقيل له: (ساقي الحجيج).
أمّا أمير المؤمنين فقد حوى أكثر ممّا حواه والده الكريم من هذه المكرمة، وكم له من موارد للسقاية لا يستطيع أحد على مثلها، وذلك يوم بدر، وقد أجهد المسلمين العطش، وأحجموا عن امتثال أمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في طلب الماء، فرقاً من قريش، لكن نهضت بأبي الريحانتين غيرته الشماء، وثار به كرمه المتدفق، فلبّى دعاء الرسول، وانحدر نحو القليب، وجاء بالماء حتّى أروى المسلمين(260).
ولا ينسى يوم صفين وقد شاهد من عدوه ما تندى منه جبهة كُلِّ غيور، فإنّ معاوية لمّا نزل بجيشه على الفرات منع أهل العراق من الماء، حتّى كضهم الضمأ، فأنفذ إليه أمير المؤمنين صعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي، يسألانه أن لا يمنع الماء الذي أباحه اللّه تعالى لجميع المخلوقات، وكُلّهم فيه شرع سواء، فأبى معاوية إلاّ التردي في الغواية والجهل، فعندها قال أمير المؤمنين: " ارووا السيوف من الدماء ترووا من الماء "(1)، ثُمّ أمر أصحابه أن يحملوا على أهل الشام حملة واحدة، فحمل الأشتر والأشعث في سبعة عشر ألفاً والأشتر يقول:
مِيعَادُنَا اليَومَ بَياضُ الصُبْحِ هَل يَصلُحُ الزَادُ بغَيرِ مِلحِ؟
والأشعث يقول:
لأورِدنّ خَيلِي الفُرَاتَا شِعثَ النَواصِي أو يُقَالَ مَاتَا
فلمّا أجلوهم أهل العراق عن الفرات ونزلوا عليه وملكوه، أبى صاحب النفسية المقدّسة التي لا تعدوها أي مأثرة، أن يسير على نهج عدوه، حتّى أباح الماء لأعدائه، ونادى بذلك في أصحابه(2)، ولم يدعه كرم النفس أن يرتكب ما هو من سياسة الحرب من التضييق على العدوّ بأيّ صورة.
هذه جملة من موارد السقاية الصادرة من شرفاء سادة، متبوّئين على منصّات المجد والخطر، متكئين على أرائك العزّ 
والمنعة، وما كانت تدعهم دماثة أخلاقهم، وطهارة أعراقهم، أن يكونوا أخلوا من هذه المكرمة، وقد افتخر بذلك عبد مناف على غيرهم.
وأنت إذا استشففت الخصوصيات المكتنفة بكُلِّ منها، فإنّ الصراحة لا تدعك إلاّ أن تقول بتفاوت المراتب فيها من ناحية الفضيلة.
كما لا تجد منتدحاً عن تفضيل الحسين على غيره يوم سقى الحر وأصحابه في " شراف "(263)، وهو عالم بحراجة الموقف، ونفاذ الماء بسقي كتيبة فيها ألف رجل مع خيولهم، ووخامة المستقبل، وإنّ الماء غداً دونه تسيل النفوس، وتشق المرائر، لكن العنصر النبوّي، والأصرة العلوية لم يتركا صاحبهما إلاّ أن يحوز الفضل.
وأني أحسب أنّ ما ناء به أبو الفضل (عليه السلام) في أمر السقاية لا يوازنه شيء من ذلك، يوم ناطح جبالاً من الحديد ببأسه الشديد، حتّى اخترق الصفوف، وزعزع هاتيك الألوف، وليس له هَمّ في ذلك المأزق الحرج إلاّ إغاثة شخصيّة الرسالة، المنتشرة في تلك الأمثال القدّسية من الذرية الطيّبة، ولم تقثعه هذه الفضيلة حتّى أبت نفسيته الكريمة أن يلتذّ بشيء من الماء قبل أن يلتذّ به أخوه الإمام وصبيته الأزكياء.
هنالك حداه إيمانه المشفوع باليقين، وحنانه المرتبط بالكرم إلى أن ينكفىء إلى المخيّم ولا يحمل إلاّ مزادة من ماء، يدافع عنها بصارمه الذكر، ويزينه المثقف ولواء الحمد يرفّ على رأسه، غير أنّ ما يحمله هو أنفس عنده من نفسه الكريمة، بلحاظ ما يريده من المحافظة على تلك المزادة الملأى.
وراقه أن تكون هي الذخيرة الثمينة، مشفوعة بما هو أعظم عند اللّه تعالى، فسمح بيمينه وشماله ـ وكلتاهما يمن ـ أن تقطعا بعين اللّه، في كلاءة ما يتهالك دونه، لينال الأُمنيّة قبل المنيّة، وما خارت عزيمة العبّاس (عليه السلام) إلاّ حين أحبّ أن لو كانت المراقة نفسه لا القربة. فيا أبعد اللّه سهماً أسال ماءها، ولم يكن " سعد العشيرة " طالباً للحياة بعده لو لم يأته العمود الطائش، ألا لعنة اللّه على الظالمين.
ومن أجل مجيئه بالماء إلى عيال أخيه وصحبه في الأيام العشرة سُمّي " السقا "، نصّ عليه أبو الحسن في المجدي، والداودي في عمّدة الثالب، وابن إدريس في مزار السرائر، وأبو الحسن الديار البكري في تاريخ الخميس ج2 ص317، والنويري في نهاية الأرب ج2 ص341، والشبلنجي في نور الأبصار ص93، والعلاّمة الحجة محمّد باقر القايني في الكبريت الأحمر ج2 ص34(264).
ولصاحب هذا اللقب فيوضات على الأُمة لا تحد، وبركات لا تحصر:
هو البَحرُ مِن أيّ النَواحِي أتَيتَهُ فِلجتُهُ المَعرُوفِ والجُودِ سَاحِله
ومن ذلك ما ذكره العلاّمة السند السيّد محمّد بن آية اللّه السيّد مهدي القزويني (قدس سره) في كتاب " طروس الإنشاء " قال:
" في سنة 1306 هـ انقطع نهر الحسينية، وعاد أهل كربلاء يقاسون شحّة الماء، وكضّة الظمأ، فأمرت الحكومة العثمانية بحفر نهر في أراضي السيّد النقيب السيّد سلمان، فمنع النقيب ذلك، واتفق أن زرت كربلاء، فطلب أهلها أن أكتب إلى النقيب، فكتبت إليه ما يشجيه، وعلى حالهم يبكيه:
في كَربلا لَك عُصبةُ تَشكُوا الظَمَا مِن فَيضِ كَفِّكَ تستمِدُ رَوُاءهَا
وأراكَ يَا سَاقِي عُطَاشى كَربَلا وأبوُكَ سَاقِي الحَوضَ تَمنعُ مَاءَها(265)
فأجاز النقيب حفر النهر، وانتفع أهل كرلاء ببركة هذا اللقب الشريف (السقا).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://norforward.daddyboard.com
مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

حياة العبّاس بن علي علیه السلام - الجزء الخامس :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق
 

حياة العبّاس بن علي علیه السلام - الجزء الخامس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نور الأئمة عليهم السلام :: الفئة الأولى :: أبو الفضل العباس بن أمير الؤمنين علي بن أبي عليهم السلام-
انتقل الى: